بقلم : عبد الحق الفكاك
دعني اليوم أحدثك عن معركة أخرى، قد لا ترى دخانها، ولا تسمع صوت رصاصها، ومع ذلك فهي أخطر من كثير من المعارك التي عرفها التاريخ.
إنها معركة الوعي.
فاليوم، لم تعد الحرب على عقول الناس تُخاض في الساحات، بل أصبحت تُخاض داخل الهاتف الذي تحمله في جيبك، وعلى الشاشة التي تفتحها عشرات المرات كل يوم.
اسأل نفسك بصراحة…
كم خبراً قرأته هذا الأسبوع ثم اكتشفت بعد ساعات أنه كان كاذباً؟
وكم مقطع فيديو شاهدته، فأثار غضبك أو فرحك، قبل أن تعلم أنه مجتزأ من سياقه أو مفبرك؟
وكم منشوراً شاركته آلاف الصفحات، ثم تبين أنه مجرد إشاعة لا أساس لها من الصحة؟
لقد أصبح المواطن يعيش وسط سيل جارف من المعلومات، حتى صار من الصعب عليه أن يميز بين الحقيقة والكذب، وبين الرأي والمعلومة، وبين النقد الصادق والدعاية الموجهة.
وهنا، يا صديقي، يكمن الخطر الحقيقي.
فالانتخابات لم تعد تُحسم فقط داخل التجمعات والخطب، وإنما أصبحت تُحسم أيضاً داخل العالم الرقمي، حيث يمكن لمنشور واحد أن يزرع الشك في نفوس آلاف المواطنين، ويمكن لإشاعة واحدة أن تهدم سنوات من الثقة.
ولهذا، فإن جمعيات المجتمع المدني لم يعد من حقها أن تكتفي بتنظيم الندوات داخل القاعات، بينما يهاجر الشباب إلى فضاءات رقمية لا يجدون فيها إلا الصراخ، والاتهامات، والتحريض، والأخبار الزائفة.
إذا أردنا أن نكسب معركة المشاركة، فعلينا أولاً أن نكسب معركة الوعي ، ولا يتحقق ذلك إلا إذا أصبحت الجمعيات حاضرة حيث يوجد الشباب.
ليس لكي تلقنهم الدروس، وإنما لكي تستمع إليهم.
يتبع
