/script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js> adsbygoogle.js?client=ca-pub-3759432166631745"
الرئيسية اقلام حرة الحاجة إلى يقظة حزبية حقيقية

الحاجة إلى يقظة حزبية حقيقية

14 يونيو 2026 - 12:09
مشاركة

بقلم: عبد الحق الفكاك

تخيّل معي للحظة أن الانتخابات ليست مجرد موعد عابر تخرج فيه الأحزاب إلى الشوارع لتعليق الصور ورفع الشعارات وتقديم المرشحين، بل هي محطة طويلة من النقاش والتفكير والإقناع والتأطير.

عندها سنفهم أن الدور الحقيقي للأحزاب السياسية لا يبدأ مع انطلاق الحملة الانتخابية، بل قبل ذلك بوقت طويل، حين تجلس مع مناضليها ومنخرطيها ومتعاطفيها لتشرح لهم رؤيتها للمجتمع وتجيب عن أسئلتهم وتناقش معهم الحلول التي تقترحها لمختلف القضايا التي تشغل بال المواطنين.

لو سألت اليوم الكثير من المنخرطين في بعض الأحزاب عن تفاصيل المشروع المجتمعي الذي تتبناه أحزابهم، أو عن تصوراتها في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والسكن ومحاربة الفوارق الاجتماعية ؟

فقد تجد أن المعرفة بهذه القضايا محدودة، ليس بسبب ضعف اهتمام المناضلين، بل لأن النقاش السياسي الجاد لم يأخذ بعد المكانة التي يستحقها داخل عدد من التنظيمات الحزبية.

كان من المفروض، خلال هذه المرحلة التي تسبق الانتخابات البرلمانية المقبلة، أن نشهد لقاءات وندوات وتجمعات حزبية في مختلف المدن والقرى، لا يكون هدفها الوحيد التعريف بالمرشحين المحتملين، بل تقديم تصورات متكاملة حول مستقبل المغرب.

كان من المفروض أن نرى حزبا ينظم سلسلة لقاءات حول إصلاح التعليم، يستدعي فيها أساتذة وخبراء وأولياء أمور التلاميذ للاستماع إلى آرائهم ومناقشة الحلول الممكنة.

وكان من المفروض أن نرى أحزابا أخرى تفتح نقاشات عمومية حول البطالة في صفوف الشباب، أو حول أزمة الماء، أو حول واقع المستشفيات العمومية، أو حول وضعية العالم القروي.

وانظر إلى ما يحدث في عدد من الديمقراطيات العريقة ، فالأحزاب هناك لا تنتظر اقتراب موعد الاقتراع حتى تتذكر المواطنين :

في ألمانيا مثلا تعقد الأحزاب مؤتمرات موضوعاتية متخصصة قبل أشهر طويلة من أي استحقاق انتخابي، تخصص بعضها لقضايا الطاقة وأخرى للهجرة أو الصناعة أو التعليم، وتصدر عنها وثائق مرجعية تصبح فيما بعد جزءا من البرامج الانتخابية.

وفي بريطانيا تنظم الأحزاب الكبرى مؤتمرات سنوية يحضرها الآلاف من الأعضاء والخبراء وممثلي النقابات والجمعيات، وتتحول تلك المؤتمرات إلى فضاءات مفتوحة للنقاش العمومي وتقييم السياسات وتقديم البدائل.

وفي كندا وأستراليا نجد الأحزاب تنظم بشكل دوري لقاءات مباشرة مع المواطنين في الأحياء والجامعات وقاعات البلديات، حيث يُمنح المواطن البسيط فرصة مساءلة القيادات الحزبية حول تفاصيل برامجها، وليس فقط الاستماع إلى خطاباتها.

أما في دول شمال أوروبا، فإن كثيرا من الأحزاب تعتمد ورشات تشاركية يساهم فيها المنخرطون أنفسهم في صياغة بعض التصورات والاقتراحات التي يتم إدراجها لاحقا ضمن البرامج الرسمية.

بل إن بعض الأحزاب في الولايات المتحدة، قبل الانتخابات التمهيدية والرئاسية، تقضي شهورا طويلة في عقد لقاءات ميدانية مفتوحة تعرف بـ”لقاءات قاعة المدينة”.

بحيث يجلس المرشحون وجها لوجه مع المواطنين للإجابة عن أسئلة تتعلق بالصحة والتعليم والضرائب والبطالة والأمن وغيرها من القضايا اليومية.

وفي كثير من الأحيان تتحول هذه اللقاءات إلى امتحان حقيقي لقدرة السياسي على الإقناع وعلى تقديم حلول واقعية وقابلة للتنفيذ.

ما الذي يمنع الأحزاب المغربية من الاستفادة من مثل هذه التجارب؟ لماذا لا نشهد، مثلا، جولات وطنية للنقاش حول المدرسة العمومية؟ لماذا لا تخصص أشهر كاملة للاستماع إلى الشباب العاطل عن العمل وإلى المقاولين الصغار والفلاحين والطلبة؟

ولماذا لا تتحول مقرات الأحزاب إلى فضاءات حية للنقاش العمومي بدل أن تبقى في كثير من الأحيان شبه غائبة عن الحياة اليومية للمواطن؟

المواطن المغربي اليوم لا يبحث فقط عن الوعود، بل يريد أن يفهم. يريد أن يعرف كيف ستتم معالجة مشكل البطالة الذي يمس آلاف الأسر.

وكيف سيتم تحسين جودة التعليم العمومي، وكيف ستواجه الدولة تحديات الجفاف وندرة المياه، وكيف سيتم دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وكيف ستتحسن القدرة الشرائية للمواطنين.

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها في أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من الحملة الانتخابية، بل تحتاج إلى نقاشات متواصلة وتأطير سياسي حقيقي.

وفي الحقيقة، فإن الأحزاب القوية في التجارب الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد مقاعدها داخل البرلمان، بل أيضا بقدرتها على إنتاج الأفكار وتأطير المواطنين وتكوين النخب والاستماع إلى نبض المجتمع.

فالحزب الناجح ليس ذلك الذي يظهر بقوة خلال الحملة الانتخابية ثم يختفي بعدها، وإنما هو الحزب الذي يظل حاضرا بين الناس طيلة السنوات الخمس، يستمع ويناقش ويقترح ويصحح ويشرح.

ولهذا يبدو المشهد الحزبي، إلى حدود هذه اللحظة، أقل حيوية مما ينتظره الكثير من المواطنين ، إد بدل أن ينشغل الفاعلون السياسيون بفتح أوراش للنقاش العمومي وتقديم البدائل والتصورات .

بل على العكس ، تبقى مساحات واسعة من النقاش السياسي ما زالت غائبة أو محدودة التأثير، في وقت تتزايد فيه حاجة المجتمع إلى خطاب سياسي واضح ومقنع وقادر على استعادة الثقة.

السؤال المطروح اليوم ليس فقط من سيكون المرشح أو من سيفوز بعدد أكبر من المقاعد، بل هل ستتمكن الأحزاب السياسية من استغلال الأشهر القليلة المتبقية لإعادة الحيوية إلى العمل السياسي؟

وهل ستنجح في تحويل هذه الفترة إلى فرصة للتأطير والتكوين والحوار مع قواعدها ومع المواطنين؟ وهل ستنتقل من منطق التعبئة الانتخابية المؤقتة إلى منطق بناء وعي سياسي مستدام؟

الأكيد أن الوقت ما زال متاحا، لكن عقارب الساعة تتحرك بسرعة. وكلما بادرت الأحزاب إلى النزول الميداني، وإطلاق نقاشات حقيقية حول القضايا الكبرى التي تشغل المغاربة، وتقديم مشاريعها المجتمعية بلغة بسيطة ومفهومة، ازدادت فرصها في استعادة اهتمام المواطنين.

أما إذا ظل النقاش السياسي محصورا في الحسابات الانتخابية الضيقة وانتظار انطلاق الحملة الرسمية، فإن الهوة بين الأحزاب والمجتمع قد تتسع أكثر.

فالديمقراطية لا تُبنى يوم التصويت فقط، بل تُبنى قبل ذلك بسنوات من الحوار والتأطير والإقناع وصناعة الأمل.

وعندما تدرك الأحزاب هذه الحقيقة وتتعامل مع المواطن باعتباره شريكا في صناعة القرار لا مجرد ناخب موسمي، عندها فقط يمكن أن يصبح الاستحقاق الانتخابي المقبل محطة حقيقية للتنافس بين المشاريع والأفكار، لا مجرد سباق بين الأسماء والشعارات.