بقلم: عبد الحق الفكاك.
هناك شيء مخيف يحدث في هذا البلد كلما اقترب عيد الأضحى، شيء أكبر من مجرد ارتفاع في الأسعار، وأخطر من مجرد أزمة موسمية عابرة.
إنه ذلك الانهيار البطيء في أعصاب الناس، وذلك التشقق الصامت داخل الروح الجماعية للفقراء وهم يُدفعون دفعاً نحو الحافة، رغم كل ما يقال عن تدخلات الحكومة التي يبدو أنها اكتفت بمراقبة المشهد ببرود مريب.
وكأنها غلبت هي الأخرى على أمرها وصار الأمر وكأنه لا يعنيها، أو كأن هذا الشعب ترك يعاني لوحده و ليتحمل ويصمت.
يكفي أن تدخل إلى أسواق المواشي هذه الأيام حتى تدرك أن الوطن متعب، فليس الخروف وحده من يُباع هناك، بل كرامة الناس أيضاً.
ترى رجلاً خمسينياً يقف أمام خروف صغير، يحسب الثمن عشر مرات، ثم يخرج هاتفه المهترئ ليتصل بزوجته هامساً:
“ما قدرتش… الثمن طالع بزاف.”
يصمت قليلاً، ثم يغلق الخط بسرعة حتى لا يسمع أطفاله في الخلفية.
وترى آخر يدخل السوق بعينين مذعورتين، يضع يده على جيبه كل دقيقة خوفاً من اللصوص، لأن السوق لم يعد فقط مكاناً للبيع والشراء، بل صار فضاءً للفوضى والسرقة والاحتيال وافتراس الضعفاء.
كثر اللصوص إلى درجة أصبحوا – رغم التدخلات الأمنية – يتحركون بأريحية، و“الشناقة” يرفعون الأسعار بلا خوف ، للاسف السماسرة صاروا يتلاعبون بالناس كأنهم قطعان أخرى داخل السوق.
تدخل الحكومة في اخر الساعة اثار الغضب والريبة معاً.
احدهم تساءل بغضب :أي حكومة هذه التي تترك المواطنين يواجهون جشع المضاربين وحدهم؟
واخر احتج عيناه دامعتان :
كيف امكنهم النوم مرتاحين البال ؟ بينما آلاف الآباء يعودون إلى بيوتهم منكسي الرؤوس لأنهم عجزوا عن شراء أضحية لأطفالهم؟
كيف يمكن الحديث عن “الدولة الاجتماعية” بينما المواطن صار يبيع أثاث بيته ليشتري خروفاً؟
نعم… هذا يحدث فعلاً :
رجل باع تلفازه.
آخر رهن خاتم زوجته.
أسرة أجلت أداء واجب الكراء.
موظف استدان من خمسة أشخاص.
وعامل بسيط ظل أسبوعاً كاملاً يقتات الخبز والشاي حتى يجمع ما يكفي لشراء أضحية متوسطة الحجم، ثم اكتشف داخل السوق أن الأسعار ارتفعت من جديد في ساعات قليلة فقط.
أي عبث هذا؟
“هل أصبح الفقراء مجرد أرقام داخل نشرات الأخبار؟ هل صارت معاناتهم مجرد خلفية باهتة لخطابات سياسية منمقة عن التنمية والإصلاح؟”
الحقيقة القاسية أن ما يجري اليوم ليس أزمة أضاحي فقط، بل أزمة عدالة اجتماعية كاملة ، تستوجب مراجعة كل برامج الدعم الاجتماعي ، قصد تدارك الأمر.
فحين يصبح المواطن عاجزاً عن توفير أبسط طقوسه الاجتماعية والدينية، فالمشكل لم يعد في جيبه فقط، بل في السياسات الحكومية التي أوصلته إلى هذا الاختناق.
الأسعار تشتعل بلا سقف.
القدرة الشرائية تنهار بلا رحمة.
الطبقة المتوسطة تتآكل بسرعة مخيفة.
أما الفقراء، فقد صاروا يعيشون على حافة الانفجار النفسي والاجتماعي.
والمصيبة أن الحكومة لا تبدو منشغلة إلا بلغة الأرقام الباردة، بينما الواقع في الشارع أكثر وحشية بكثير من التقارير الرسمية.
لأن التقارير لا تنقل رجلاً تشاجر بالأيدي مع سمسار بعدما شعر بالإهانة.
ولا تنقل أماً بكت في الخفاء لأنها لا تملك ثمن الأضحية.
ولا تنقل مسنا سُرق ماله داخل السوق فعاد إلى بيته شبه منهار، يحدق في الجدار كأنه فقد شيئاً أكبر من النقود.
حين يكثر الفقراء بهذا الشكل، وحين يشعر الناس بأنهم متروكون بلا حماية، تبدأ الأخطار الحقيقية.
ليس فقط خطر الجوع، بل خطر الانهيار الأخلاقي والاجتماعي أيضاً.
لأن الإنسان حين يُسحق يومياً تحت ضغط الحاجة، قد يفقد ثقته في القانون، وفي المؤسسات، وفي المجتمع كله.
من يضمن غداً ألا يتحول اليأس إلى غضب؟
ومن يضمن ألا تتحول الحاجة إلى جريمة؟
فاللصوص لا يولدون دائماً من الشر، بل كثير منهم تصنعهم بيئات القهر والتهميش وانسداد الأفق.
وحين يشعر المواطن أن الحومة لا تراه إلا وقت الانتخابات أو الضرائب، فإن فكرة الانتماء نفسها تبدأ بالتآكل.
الأمن الاجتماعي لا يُحمى فقط برجال الأمن والكاميرات، بل يُحمى أولاً بالعدالة الاجتماعية، وبالكرامة، وبشعور المواطن أن الحومة تقف إلى جانبه لا فوقه.
لكن ما يحدث اليوم يدفع في الاتجاه المعاكس تماماً.
هناك احتقان صامت يتضخم داخل الأحياء الشعبية، داخل الأسواق، داخل البيوت التي تخجل من إظهار عجزها.
احتقان لا يظهر في الخطب الرسمية، لكنه واضح في العيون المتعبة والوجوه العابسة والشتائم التي صارت تُقال همساً ثم جهراً.
لقد صار المواطن المغربي يعيش المناسبات الدينية وكأنها كوابيس مالية.
العيد الذي كان رمزاً للفرح والتكافل، تحول عند كثيرين إلى موسم للقلق والإذلال والاستدانة.
وهذا في حد ذاته فشل سياسي وأخلاقي كبير، لا يمكن تغطيته بالشعارات أو البلاغات المطمئنة.
إن الدول لا تُقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى والطرقات والمباني، بل تُقاس أيضاً بقدرة أبسط مواطن فيها على العيش بكرامة دون أن يضطر لبيع ممتلكاته أو كسر روحه حتى يواجه مناسبة دينية واحدة.
أما حين يصبح الفقير مطارداً بالغلاء من كل الجهات، ومهدداً بالسرقة في السوق، ومقهوراً بجشع السماسرة، ومتروكاً بلا حماية حقيقية، فذلك يعني أن الخلل لم يعد اقتصادياً فقط… بل صار يمس جوهر الاستقرار الاجتماعي نفسه.
