بقلم: عبد الحق الفكاك
في المغرب، حين يتقاعد الموظف، لا يتقاعد فقط من العمل، بل يشعر أحياناً وكأنه يتقاعد أيضاً من اهتمام الدولة والمجتمع.
سنوات طويلة يقضيها الإنسان داخل الإدارة أو المؤسسة العمومية، يستيقظ باكراً، يلتزم بالقوانين، يؤدي واجبه، ويؤجل راحته على أمل أن تمنحه الشيخوخة شيئاً من الاستقرار والطمأنينة.
لكن الصدمة تبدأ عندما يكتشف، بعد نهاية الخدمة، أن الحياة أصبحت أسرع وأغلى من معاشه بكثير، وأن ما كان يكفيه قبل عشرين أو ثلاثين سنة لم يعد اليوم يكفي حتى لأسبوع واحد.
ملف المتقاعدين الذين بقيت معاشاتهم شبه مجمدة منذ سنة 1997 ليس مجرد رقم داخل الإدارة، ولا مجرد نقاش تقني حول الميزانية، بل هو قصة آلاف الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم يعيشون خارج الزمن الاقتصادي الحالي.
فبين سنة 1997 وسنة 2026 تغير المغرب كثيراً؛ ارتفعت الأسعار، وتبدلت أنماط العيش، وأصبح العلاج مكلفاً، والسكن مرهقاً، والغذاء يستهلك الجزء الأكبر من دخل الأسر ، لكن ، وحده معاش هذه الفئة بقي تقريباً كما هو، كأن السنوات لم تمر.
اليوم، المتقاعد المغربي يعيش مفارقة قاسية : عندما يدخل السوق يشتري بأسعار 2026، وعندما يذهب إلى الصيدلية يؤدي ثمن الأدوية بأسعار 2026، وعندما تصله فواتير الماء والكهرباء والنقل يؤديها بمنطق 2026، لكن دخله ما يزال في كثير من الحالات ينتمي إلى ما قبل 1997.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: ليس لأن المتقاعد يريد الرفاهية، بل لأنه يريد فقط أن يعيش دون خوف دائم من نهاية الشهر.
الكثير من هؤلاء المتقاعدين لم يكونوا أصحاب مناصب كبيرة، بل موظفون بسطاء، رجال تعليم، وإداريون، وأعوان، وتقنيون، قضوا عمرهم في خدمة المرفق العمومي.
كانوا يعتقدون أن الدولة التي خدموها ستضمن لهم شيخوخة تحفظ كرامتهم، لكن الواقع اليوم يجعل عدداً منهم مضطراً للاستدانة أو طلب المساعدة من الأبناء أو التخلي عن بعض الأدوية بسبب غلاء أسعارها.
وفي المقابل، يرى هؤلاء كيف تتحرك الدولة بسرعة في ملفات أخرى : فالمغرب اليوم يدخل بقوة إلى عالم الاستثمارات الكبرى، والصناعات الحديثة، والاقتصاد الرقمي، والألعاب الإلكترونية، والبنيات التحتية الضخمة.
وهي مشاريع مهمة طبعاً، لأن أي بلد يحتاج إلى التطور ومواكبة العالم ، لكن السؤال الذي يطرحه المتقاعد البسيط هو:
هل من الطبيعي أن نجد الأموال للمشاريع الكبرى بسهولة، بينما يبقى تحسين معاشات أشخاص خدموا الدولة لسنوات طويلة مؤجلاً باستمرار؟
المشكل هنا ليس في الاستثمار في المستقبل، بل في الشعور بأن الماضي يُنسى بسرعة ، فالدولة التي تبني المستقبل مطالبة أيضاً بأن تحمي من ساهموا في بناء الحاضر .
لأن التنمية ليست طرقاً وملاعب ومشاريع فقط، بل هي أيضاً إحساس المواطن بالأمان الاجتماعي حين يكبر في السن.
الحكومات المتعاقبة حاولت دائماً تقديم ملف التقاعد باعتباره ملفاً معقداً وحساساً بسبب توازنات الميزانية ، وخلال فترة حكومة حزب العدالة والتنمية، المعروفة شعبياً بـ”حكومة المصباح”، تم اتخاذ قرارات صعبة همّت رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات، بحجة إنقاذ صناديق التقاعد من الأزمة.
وقتها قيل إن الإصلاح ضروري لتجنب الإفلاس، لكن كثيراً من الموظفين والمتقاعدين شعروا بأنهم هم من دفعوا الثمن الأكبر.
أما اليوم، فقد عاد النقاش بقوة مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، والسؤال الذي يطرحه الشارع ليس سؤالاً تقنياً معقداً، بل سؤال بسيط جداً:
كيف يمكن لمتقاعد قضى عمره في العمل أن يعيش بكرامة إذا كان معاشه لم يعد يساير أبسط متطلبات الحياة؟
النقابات بدورها تعتبر أن المشكلة لم تعد تحتمل التأجيل، خصوصاً أن فئة كبيرة من المتقاعدين أصبحت تعيش أوضاعاً صعبة.
وهناك من يرى أن الدولة مطالبة بإيجاد حل تدريجي وعادل، حتى لو تم ذلك على مراحل، لأن ترك الوضع كما هو يعني أن معاناة هذه الفئة ستزداد سنة بعد أخرى.
وفي الحقيقة، أخطر ما في هذا الملف ليس فقط الجانب المالي، بل الإحساس الصامت بالخذلان ، فالمتقاعد لا يطلب امتيازات استثنائية، ولا يريد أن يصبح غنياً، بل يريد فقط أن يشعر بأن السنوات التي قضاها في خدمة بلده لم تذهب سدى .
فهو يريد أن يشتري دواءه دون قلق، وأن يدخل السوق دون أن يحسب كل درهم عشر مرات، وأن يعيش شيخوخته بكرامة بدل الخوف المستمر من الغلاء.
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى، بل أيضاً بطريقة تعاملها مع الفئات الضعيفة والهادئة و من المتأكد أن المتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الدولة لا ينبغي أن يشعر، بعد التقاعد، أنه أصبح مجرد رقم قديم داخل ملف مؤجل.
لأن المجتمعات التي تنسى متقاعديها، تُعطي للأجيال القادمة رسالة مخيفة: أنك قد تخدم وطنك سنوات طويلة، ثم تجد نفسك في آخر العمر وحيداً أمام قسوة الحياة.
