/script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js> adsbygoogle.js?client=ca-pub-3759432166631745"
الرئيسية اقلام حرة حكومة الأرقام الصادمة

حكومة الأرقام الصادمة

30 مايو 2026 - 17:00
مشاركة

بقلم: عبد الحق الفكاك

حين وصلت حكومة عزيز أخنوش إلى السلطة سنة 2021، دخلت وهي تحمل خطاباً مطمئناً للمغاربة. وعود بـ”الدولة الاجتماعية”، تحسين القدرة الشرائية، خلق مليون منصب شغل، إصلاح التعليم والصحة، وبناء نموذج تنموي جديد يعيد الثقة للمواطن.

لكن بعد أقل من خمسة أشهر على نهاية الولاية الحكومية، يبدو أن لغة الأرقام نفسها أصبحت تُقدِّم رواية مغايرة تماماً لرواية الشعارات.

ولعل أول ما يواجه المواطن ليس الخرجات المتكررة لرئيس الحكومة ولا المؤتمرات الصحفية، بل السوق : فهناك حيث تُقاس السياسات بقدرة الناس على شراء اللحم والخضر والدواء.

في سنة 2021، كان ثمن اللحوم الحمراء في حدود 70 درهماً للكيلوغرام في أغلب الأسواق المغربية. اليوم تجاوز السعر في عدة مدن 130 و140 درهماً، رغم كل الوعود الحكومية بدعم القطاع واستيراد الأبقار والأغنام وإلغاء الرسوم الجمركية.

الأمر نفسه ينطبق على السردين، الذي كان لعقود يُعرف بـ”سمك الفقراء”. فقد انتقل من 10 إلى 15 درهماً إلى أكثر من 40 و50 درهماً في بعض الفترات، في بلد يملك أكثر من 3500 كيلومتر من السواحل البحرية ويُعد من كبار مصدري الأسماك.

أما المحروقات، فقد تحولت إلى جرح اقتصادي مفتوح. فمنذ تحرير الأسعار، أصبح المواطن المغربي يؤدي ثمن تقلبات السوق الدولية دون أي حماية حقيقية، بينما حققت شركات التوزيع أرباحاً ضخمة أثارت جدلاً واسعاً داخل البرلمان وخارجه.

وبين ارتفاع أسعار النقل والكهرباء والمواد الأساسية، أصبحت الطبقة المتوسطة نفسها تعيش حالة استنزاف غير مسبوقة، بعدما كانت تاريخياً صمام الأمان الاجتماعي داخل المجتمع المغربي.

وحين تسلمت الحكومة الحالية مسؤوليتها، كان الدين الخارجي للمغرب في حدود 40 مليار دولار، لكنه ارتفع خلال سنوات قليلة إلى ما يقارب 70 مليار دولار.

أما الدين العمومي الإجمالي، فقد قفز من حوالي 950 مليار درهم إلى ما يزيد عن 1250 مليار درهم، وفق المعطيات المتداولة المرتبطة بتطور المديونية العمومية.

هذه الأرقام تعني شيئاً واحداً: المغرب يقترض أكثر، لكن المواطن لا يشعر بتحسن موازٍ في الخدمات العمومية أو في مستوى معيشته.

الأخطر من ذلك أن معدل البطالة ارتفع من حوالي 9% سنة 2021 إلى 13,1% سنة 2026، وهي من أعلى النسب خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً وسط الشباب وحاملي الشهادات.

وفي الوقت الذي وُعد فيه المغاربة بإحداث مليون منصب شغل، تشير الأرقام المتداولة إلى أن وتيرة خلق فرص العمل ظلت ضعيفة جداً مقارنة بحجم الأزمة الاجتماعية.

والنتيجة ـللأسف الشديد ـ كانت واضحة: آلاف الشباب اختاروا الهجرة، وآلاف آخرون انسحبوا من سوق الشغل نهائياً بعد فقدان الأمل.

وفي الوقت الذي كانت فيه آلاف الأسر المغربية تنزلق بهدوء نحو الفقر والعوز، كانت الثروة في الجهة المقابلة تتضخم بوتيرة لافتة.

فخلال سنوات قليلة فقط، ارتفع عدد المغاربة الذين يعيشون تحت ضغط الحاجة والهشاشة من حوالي 1,4 مليون إلى ما يقارب 2,5 مليون شخص، وهو رقم يكشف حجم التآكل الذي أصاب القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي لشرائح واسعة من المواطنين.

لكن المفارقة الأكثر قسوة أن هذا الاتساع في دائرة الفقر تزامن، في المقابل، مع ارتفاع كبير في عدد المليونيرات، الذين انتقل عددهم من نحو 4400 إلى أكثر من 7500 مليونير.

وكأن المغرب خلال هذه المرحلة لم يكن يسير نحو تقليص الفوارق الاجتماعية، بل نحو تكريس واقع جديد يزداد فيه الأغنياء غنىً، بينما تنحدر فئات أوسع من الطبقة الوسطى والفقيرة نحو الهشاشة والقلق اليومي من المستقبل.

هذا التفاوت الصارخ لا يعكس فقط أزمة اقتصادية، بل يكشف خللاً عميقاً في توزيع الثروة والفرص.

وفي الوقت الذي كانت الحكومة تتحدث فيه عن “الدولة الاجتماعية”، أصبح عدد الأسر المستفيدة من برامج الدعم الاجتماعي يرتفع بشكل كبير، ما يعني عملياً اتساع قاعدة الهشاشة بدل تقليصها.

فبدل أن تتحول الأسر من الحاجة إلى الإنتاج، أصبحت الدولة مطالبة كل سنة بتوسيع برامج الدعم لتخفيف آثار الغلاء والبطالة.

وفي قطاع التعليم، رُفعت شعارات كبرى حول الإصلاح والارتقاء بالمدرسة العمومية، لكن الواقع ظل متوتراً.

فقد شهد القطاع احتجاجات غير مسبوقة، خاصة بعد الجدل المرتبط بالنظام الأساسي الجديد، بينما استمرت مؤشرات جودة التعليم في تسجيل مراتب متأخرة دولياً.

أما مباريات التعليم، التي كانت بالنسبة لآلاف الشباب الفقير فرصة للترقي الاجتماعي، فقد تحولت إلى مصدر غضب بعد فرض شروط السن، وهو ما اعتبره كثيرون إقصاءً لفئات واسعة من الخريجين.

وفي قطاع الصحة، توسع القطاع الخاص بشكل سريع، مقابل استمرار معاناة المستشفيات العمومية مع نقص الموارد البشرية والتجهيزات.

عدد مصحات “أكديتال” مثلاً ارتفع من 9 مصحات سنة 2021 إلى أكثر من 50 مؤسسة صحية، بينما يواصل عدد من الأطباء الهجرة نحو الخارج أو الانتقال إلى القطاع الخاص بسبب ظروف العمل داخل القطاع العمومي.

وهكذا أصبح العلاج الجيد بالنسبة لكثير من المغاربة مرتبطاً بالقدرة المالية، لا بحق المواطنة.

أما سياسياً، فقد دخلت الحكومة الحالية وهي تتحدث عن الكفاءة والنجاعة، لكنها وجدت نفسها في مواجهة انتقادات متزايدة بسبب تضارب المصالح وغياب التواصل الفعال مع الشارع.

كما تراجع ترتيب المغرب في مؤشر مدركات الفساد من المرتبة 89 عالمياً سنة 2021 إلى المرتبة 99 سنة 2024، مع انخفاض النقطة الإجمالية من 39 إلى 37 على 100.

هذا التراجع أعاد النقاش بقوة حول فعالية آليات محاربة الفساد والاحتكار والريع، وفي المقابل، شهدت الساحة النقابية والحقوقية توترات متزايدة بسبب مشاريع قوانين مرتبطة بالإضراب والحريات المهنية، وهو ما خلق شعوراً لدى فئات واسعة بأن هامش الاحتجاج والتعبير أصبح أضيق من السابق.

أما الصحافة، فقد وجدت نفسها وسط أزمة اقتصادية خانقة، جعلت كثيرين يتحدثون عن هيمنة المال والإشهار على استقلالية الخط التحريري.

إجمالا و بعد خمس سنوات من التدبير الحكومي، يبدو أن المواطن المغربي لم يعد يقيس النجاح السياسي بعدد الخطب ولا بحجم الوعود، بل بثمن الطماطم، وسعر اللحم، وفاتورة الكهرباء، وفرصة الشغل، وجودة المستشفى والمدرسة.

لقد ارتفعت الأسعار، وتضخمت الديون، واتسعت البطالة، وتراجعت القدرة الشرائية، بينما يشعر جزء كبير من المغاربة بأنهم صاروا أكثر هشاشة مما كانوا عليه سنة 2021.

وربما أخطر ما خلفته هذه المرحلة ليس فقط الأرقام الثقيلة، بل ذلك الإحساس الجماعي المتنامي بأن الفجوة بين الحكومة والمواطن أصبحت أوسع من أي وقت مضى.