/script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js> adsbygoogle.js?client=ca-pub-3759432166631745"
الرئيسية اقلام حرة ماذا لو كان العيد مناسبة لذبح الأنانية داخلنا بدل الاكتفاء بذبح الكبش؟

ماذا لو كان العيد مناسبة لذبح الأنانية داخلنا بدل الاكتفاء بذبح الكبش؟

24 مايو 2026 - 12:32
مشاركة

بقلم: عبد الحق الفكاك

في كل سنة، ومع اقتراب عيد الأضحى، يتكرر المشهد ذاته بصورة تكاد تكون مؤلمة في عمقها الإنساني :

تمتلئ الشوارع بحركة الناس، وتزدحم الأسواق، وتعلو أصوات المساومات، وتتحول الأضحية من شعيرة دينية تحمل معنى الفداء والتقرب إلى الله، إلى ما يشبه سباقًا اجتماعيًا خفيًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بحجم الكبش الذي اقتناه، وثمنه، وسلالته، وصورته التي ستُنشر أمام الناس.

ووسط هذا الضجيج كله، يقف سؤال ثقيل في زاوية الروح:

هل ما نذبحه حقًا هو الكبش… أم أننا نذبح المعنى الحقيقي للعيد دون أن نشعر؟

لقد أصبح من المؤلم أحيانًا أن ترى بعض الناس لا يكتفون بشراء الأضحية، بل يسارعون إلى تصويرها من كل زاوية، ونشر صورها على مواقع التواصل، كأن الأمر لم يعد عبادة بين العبد وربه، بل عرضًا علنيًا للقدرة المادية.

أحدهم يقف مبتسمًا بجانب كبش ضخم وكأنه حقق انتصارًا شخصيًا، وآخر يكتب ثمن الأضحية بطريقة غير مباشرة ليترك الناس في حالة مقارنة صامتة، وثالث يحوّل العيد إلى معرض للتفاخر، دون أن يسأل نفسه لحظة واحدة:

من سيرى هذه الصور؟

ومن سيتألم بصمت خلف الشاشة؟

هناك أب فقير قد يشاهد تلك الصور بينما يعجز عن شراء أضحية لأطفاله، فيشعر أن العيد مر أمامه كضيف ثقيل لا يملك حق استقباله.

وهناك أم تحاول إقناع طفلها الصغير بأن “العيد ليس في الكبش”، بينما الطفل يرى العالم كله يحتفل بشيء لا يملكه.

وهناك شاب يقف أمام واجهات الأسواق بعينين مكسورتين، يراقب الأسعار وهي ترتفع، ويشعر أن كرامته تهتز أمام عجزه.

فهل فكرنا يومًا أن صورة ننشرها بدافع التباهي قد تتحول إلى خنجر صغير في قلب إنسان مسحوق؟

وهل يدرك البعض أن الفقراء لا تؤلمهم الحاجة فقط، بل يؤلمهم أيضًا استعراض الآخرين لما يفتقدونه؟

لقد قال الله تعالى:

﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.

تأمل هذه الآية طويلًا…

الله لم يجعل معيار القبول حجم الكبش، ولا ثمنه، ولا شكله، ولا عدد “الإعجابات” التي سيحصل عليها صاحبه على مواقع التواصل.

المعيار الوحيد الذي يرتفع إلى السماء هو التقوى ، أما المظاهر، فهي غالبًا لا تصعد أبعد من أعين الناس.

لكن الإنسان المعاصر، في زمن الصورة، أصبح أحيانًا يخلط بين العبادة والاستعراض، فحتى الأشياء المقدسة لم تعد تنجو من رغبة البعض في الظهور.

وكأن الإنسان لم يعد يعيش اللحظة ليشعر بها، بل ليعرضها على الآخرين ، وكأن فرحته لا تكتمل إلا إذا شاهدها الناس وعلقوا عليها وأعجبوا بها.

والمؤلم أن هذا التفاخر لا يقتل روح العيد فقط، بل يقتل شيئًا أعمق داخل الإنسان نفسه: الرحمة.

فالرحيم حين يفرح، يفرح بحذر إنساني، يلتفت إلى من حوله، ويحاول ألا يحول نعمته إلى وسيلة لجرح الآخرين؛ أما الأناني، فإنه يرى العالم كله مجرد جمهور لمباهجه الشخصية.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحساسية تجاه مشاعر الناس، حتى في أبسط الأمور، وكان يعلم أن الكلمة قد ترفع إنسانًا أو تكسره .

فكيف بصورة متكررة تُذكر الفقير بعجزه كل دقيقة؟ وكيف بعرض متواصل للبذخ في زمن أصبح فيه كثير من الناس بالكاد يؤمنون قوت يومهم؟

إن المشكلة ليست في الفرح بالأضحية، فالفرح شعور إنساني مشروع، وليس في شكر الله على النعمة، فذلك من تمام الامتنان.

المشكلة تبدأ حين يتحول الفرح إلى استعراض، وحين تصبح العبادة وسيلة لإثبات التفوق الاجتماعي ؛ هنا يفقد العيد معناه الروحي ويتحول إلى مسرح كبير للمقارنات الصامتة.

والغريب أن بعض الناس ينسون أن العيد في جوهره جاء ليكسر الأنانية، لا ليغذيها، فالأضحية ليست درسًا في الامتلاك، بل درس في العطاء.

ليست دعوة للتفاخر، بل تذكير بأن الإنسان مهما امتلك، سيظل محتاجًا إلى الرحمة والتواضع.

يقول النبي صل الله عليه وسلم:

«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».

فأي معنى يبقى للأضحية إذا كانت تُغذي داخلنا ذلك الشعور الخفي بالتفوق على الآخرين؟

وأي روح للعيد تبقى حين يصبح الفقير متفرجًا على أفراح غيره بدل أن يكون شريكًا فيها؟

ربما أخطر أنواع الأنانية ليست تلك التي تمنع المال عن الفقراء، بل تلك التي تستمتع بإظهار الفارق بين الناس.

أن يشعر الإنسان _ ولو دون تصريح _ بلذة داخلية لأنه قادر وغيره عاجز، وهنا تتحول النعمة من اختبار للشكر إلى امتحان للأخلاق.

إن العيد الحقيقي قد لا يكون في الكبش الذي نذبحه، بل في ذلك الجزء القاسي داخلنا الذي يجب أن يموت.

أن نذبح التباهي.

أن نذبح الرغبة المرضية في استعراض النعم.

أن نذبح القسوة التي تجعلنا ننسى أن خلف كل شاشة إنسانًا قد يخفي ألمه بابتسامة صامتة.

تخيل فقط لو أن الناس في العيد تنافسوا في ستر النعمة بدل استعراضها، وفي جبر الخواطر بدل كسرها، وفي إطعام المحتاجين بدل تصوير الموائد…

كيف كان سيصبح شكل العالم؟

وكم من قلب كان سينجو من ذلك الإحساس الثقيل بالنقص والحرمان؟

ربما لهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا اليوم من أي وقت مضى:

هل ما زلنا نعيش العيد بروحه القديمة القائمة على الرحمة والتكافل… أم أننا حولناه، دون أن نشعر، إلى موسم آخر من مواسم المقارنة الاجتماعية؟