بقلم : عبد الحق الفكاك
دعني سيدي، أسألك كما يسأل الغريقُ البحرَ وهو يعلم أن الموج لا يجيب: هل يمكن للطلقة الطائشة أن تعود فتصيب الهدف بعدما ضلّت طريقها؟
هل يمكن لخطأٍ اندفع في لحظة غضب، أو كلمةٍ خرجت كسهمٍ أعمى، أن ترتدّ من فضاء الندم لتستقرّ حيث كان ينبغي لها منذ البدء؟ أم أن ما ينفلت من القلب، إذا ما تنكّر له العقل، يمضي إلى قدره ولا يعود؟
أفكّر كثيراً في تلك الطلقات التي لا تُرى ، ليست رصاصاً من حديد، بل نظراتٍ باردة، صمتاً قاسياً، تجاهلاً في لحظة احتياج.
كم من قلبٍ أصابته كلمة طائشة، فتركته ينزف في صمت؟ وكم من روحٍ كانت تنتظر دفئاً بسيطاً، فإذا بها تتلقّى برودةً تُشبه الموت؟ أليست هذه أيضاً طلقات، لا يسمع دويّها أحد، لكنها تغيّر مجرى الحياة؟
سيدي، هل يمكن أن يعود الدفء إلى شرايين قلبٍ يعتقد أنه مات منذ سنين؟ قلبٍ أقنع نفسه أن الحب وهم، وأن الشوق ضعف، وأن الانتظار عبث؟
كيف يعود النبض إلى صدرٍ اعتاد الصقيع، وكيف تتفتح أزهار الأمل في أرضٍ طال عليها الجفاف؟ أيمكن ليدٍ واحدة، صادقة، أن تذيب جليد أعوامٍ من الخيبة؟
أحياناً أشعر أن القلوب لا تموت، لكنها تدخل في سباتٍ طويل، كمدينةٍ أطفأت أنوارها انتظاراً لفجرٍ لا يأتي. نظنّها انتهت، نغلق أبوابها، ونعلن الحداد على ما كان فيها من ضحكاتٍ ووعود.
لكن في أعماقها، تبقى جمرة صغيرة، تتوهّج بصمت، تنتظر نسمةً واحدة لتشتعل من جديد. ربما يكفي اعتذارٌ حقيقي، أو نظرةٌ صافية، أو عناقٌ لا يخشى الانكسار.
وسؤالي الأخير، سيدي، أكثر جرأةً من كل ما سبق: هل يمكن للموتى أن يعودوا إلى الحياة؟ لا أقصد موت الأجساد، بل موت الأحلام، موت العلاقات، موت تلك النسخة منا التي كانت تؤمن حتى النخاع.
هل يمكن لحبٍ دفنّاه بأيدينا أن يُبعث من تحت ركام الكبرياء؟ هل يمكن لذكرىٍ كانت تؤلمنا أن تصير جسراً نعبر به إلى بدايةٍ أخرى؟
أؤمن أن بعض الموتى لا يعودون كما كانوا، لكنهم يعودون على هيئةٍ أخرى ، قد لا تعود العلاقة بذات البراءة، ولا يعود القلب بذات الاندفاع، لكنهما يعودان أنضج، أصدق، وأقلّ خوفاً من الحقيقة.
هل تعلم يا سيدي ، ان الطلقة الطائشة قد لا ترجع إلى فوهة البندقية، لكنها قد تعلّمنا كيف نمسك السلاح بحذرٍ أكبر ، والقلب الذي ظنّ أنه مات، قد يكتشف أن ما مات فيه ليس الحب، بل الوهم.
سيدي، ربما لا تعود الأشياء كما كانت، وربما لا يُمنح الزمن فرصةً لإعادة المشهد ذاته ، لكن الحياة، في عنادها الجميل، تفتح نوافذ لم نكن نراها و تهمس لنا أن الدفء لا يُستعاد بالحنين وحده، بل بالارادة والايمان بان الدنيا لاتزال بخير .
بلا شك قد تكون تمة اشخاص جدد من حولنا ينتظرون منا كلمة ود كي يفتحون لنا دراعهم ، وربما سنجد فيهم بعض العزاء في من افتقدناهم بالأمس ، وقد نكون معهم في افضل حال مما سبق .
إن من يجرؤ على الإيمان بأنه لا امل في الحياه ، وان الشر هو من ينتصر في الاخير ، و ان لا خير في بني آدم ، فلا حظ له في الدنيا ، بل بالعكس تماما ، فان الدي يفتح قلبه من جديد فيوزع مشاعره على الناس بالمجان .. فداك الذي يوقظ حقا موتاه بيده.
نعم سيدي قد يعود الموتى إلى الحياة؟ نعم… إذا آمنا أن في داخلنا حياةً تستحق أن تُعاش من جديد ، كما يعود الدفء إلى الشرايين؟ لسيما إذا سمحنا لنبضٍ صادق أن يعبرها بلا خوف.
أما الطلقة الطائشة، فلعلها لا تعود أبداً، لكنها تترك فينا درساً يجعلنا نعيد التفكير ومراجعة اخطاءنا ، كي نصيب الهدف هذه المرة… لا بالسلاح، بل بالقلب والحب العفيف.
