محمد وردي// الوطن العربي
تعد “حرب التزكيات” داخل الأحزاب السياسية صراعاً غير معلن يشتد قبيل الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتسابق القيادات والقواعد على كسب دعم الحزب للترشح. تتقاطع فيها المصالح الشخصية، الولاءات، والتحالفات، مما يؤدي غالباً إلى انشقاقات، استقالات، وإعادة تشكيل للخارطة السياسية المحلية والوطنية، في ظل ضبابية المعايير أحياناً، مما يغذي الصراعات الداخلية. حيث تؤثر هذه “الحرب ” بشكل مباشر على ديمقراطية وفعالية العمل الحزبي، مما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الأحزاب على تجديد نخبها بشكل ديمقراطي وشفاف.
وقد احتدم السباق مبكرا بين اسماء بارزة ووجوه جديدة على مستوى دوائر انتخابية من اجل الظفر بتزكية الترشح وضمان موقعها في السباق المقبل، بعد إعلان الحكومة عن تحديد تاريخ إجراء الاستحقاقات الانتخابية التشريعية. حيث شرعت كائنات سياسية في طرق أبواب الأحزاب المنخرطة فيها والتنسيق مع قيادتها من أجل نيل ثقتها ومنحها تزكية الترشح في هذه الاستحقاقات الانتخابية.
وسجلت مصادر الجريدة أن وجوها جديدة سارعت إلى حشد الدعم المبكر، مستغلة المنصب الذي تشغله للتقرب من قيادة الأحزاب وإقناعها بحظوظها في الفوز بالمقعد النيابي، في خطوة تروم إبعاد وجوه بارزة لها وزنها الانتخابي في “حرب غير معلنة”، وهو ما دفع قيادات أحزاب سياسية إلى التدخل لرأب الصدع، والتأكيد على عدم منح التزكية لأي مترشح في المرحلة الحالية، في انتظار الحسم فيها بعد اجتماع مكاتبها السياسية.
ووفق مصادر خاصة، فإن تريث عدد من الأحزاب السياسية في الحسم في أسماء المترشحين ، يأتي بغرض تفادي انشقاقات قد تؤثر على حظوظهم داخل الدوائر التشريعية.
ويتوقع أن تعرف بعض التنظيمات السياسية انسحابا لأسماء وازنة صوب أحزاب أخرى في حالة عدم تمكينها من تزكية الترشح، خصوصا بالنسبة للأسماء التي لا تشغل مهام انتدابية مهمة في المرحلة الحالية.
ومعلوم أن الحكومة قررت إجراء انتخابات أعضاء مجلس النواب يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، على أن تنطلق الحملة الانتخابية يوم 10 شتنبر وتنتهي في الثانية عشرة ليلا من يوم الثلاثاء 22 من الشهر ذاته.
ولوحظ ان خمول الأحزاب السياسية وفشلها في تأطير المجتمع يُعد مؤشراً على أزمة ثقة وعجز هيكلي، حيث أدى انغلاقها على الكولسة والاجتماعات الضيقة بدلاً من الانفتاح على الشباب والمجتمع المدني إلى أفول دورها السياسي. هذا الوضع يعكس أزمة عميقة في المنظومة الحزبية ومأزقاً أمام التوترات الاجتماعية الجديدة، مما يضعف التمثيلية السياسية، ،و يفقد الأحزاب شرعيتها الشعبية، مما يجعلها في حالة “احتضار” سياسي، خاصة في ظل تزايد مطالب الجيل الجديد بحلول ملموسة ورفض الأساليب التقليدية.
فالأزمة لم تعد في حجم الانخراط الحزبي أو نسب التصويت، بل في طبيعة العلاقة بين المواطن والسياسة.
من كان يظن أن الأحزاب التي كانت تصنع التاريخ ستتحول إلى هياكل خاوية، تحرس أطلالها كما يحرس الليل جثث النجوم البعيدة؟ من كان يتخيل أن السياسة، التي كانت يوما فعلا أخلاقيا ومعنى جماعيا، ستصير مشهدا باردا بلا أفق، وخطابا يطفو على سطح واقع يزداد فراغا؟
نحن لا نعيش أزمة أحزاب فحسب، بل نقترب من لحظة أفول السياسة ذاتها، من زمن لم يعد فيه للحلم السياسي مكان، ولا للمشروع المجتمعي معنى، وكأننا أمام مسرح كبير انطفأت أضواؤه، بينما الممثلون ما زالوا يواصلون أداء أدوارهم في الظلام… لم يعد السؤال اليوم: هل انتهى دور الأحزاب؟ بل أصبح: هل انتهى معنى السياسة نفسها؟
