بقلم : عبد الحق الفكاك
في كل مرة تشتعل فيها الجغرافيا البعيدة، يدفع المواطن المغلوب على أمره الفاتورة ، يدفعها نقداً… وبلا نقاش ، فما يجري بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد خبراً دولياً يُستهلك في نشرات المساء، بل أصبح رقماً يُضاف يومياً إلى عدّاد القلق داخل البيوت المغربية.
فالحرب، حتى وإن لم تُعلن رسمياً، تُترجم فوراً في أسواق الطاقة إلى زيادات متتالية، لا تسأل عن قدرة المواطن ولا عن هشاشة الاقتصاد.
الوقائع اليوم واضحة وصادمة: الغازوال في السوق الدولية يلامس مستويات مرتفعة تقارب 1345 دولاراً للطن، أي نحو 11 درهماً للتر.
لكن هذا الرقم ليس سوى البداية، ، إد حين هذا يصل هذا الغازوال إلى المغرب، تبدأ رحلة “التضخيم”: تكاليف نقل وتفريغ وتخزين، ضرائب تتجاوز 4 دراهم، وهوامش ربح لن تقل عن درهمين.
والنتيجة النهائية ليست مجرد تقدير نظري، بل سيناريو واقعي يضع سعر اللتر عند عتبة 18 درهماً، وربما أكثر إذا استمر التوتر.
لكن الأخطر من هذا الرقم ، هو ما يجرّه خلفه من تداعيات ، فنحن أمام سلسلة مترابطة:
ارتفاع المحروقات يعني ارتفاع كلفة النقل، وهذا يعني كدلك ارتفاع أسعار الخضر والفواكه، ثم المواد الأساسية، وصولاً إلى خدمات يومية بسيطة.
سائق الطاكسي أيضا لن يتحمل وحده، والفلاح لن يزرع بالخسارة، والتاجر لن يبيع بثمن الأمس ، و في النهاية، المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتلقى الصدمة كاملة.
وإذا استمر التصعيد الدولي، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات واضحة:
السيناريو الأول: الارتفاع المتدرج
تستمر الأسعار في الصعود البطيء، درهماً بعد درهم، دون صدمة مفاجئة و في هذا الوضع، قد يتأقلم السوق تدريجياً، لكن القدرة الشرائية ستتآكل بصمت ، وقد لا ينهار المواطن دفعة واحدة، بل سيُستنزف يومياً.
السيناريو الثاني: القفزة المفاجئة
أي اضطراب كبير في الإمدادات (إغلاق مضيق هرمز، او استهداف منشآت، أو فرض عقوبات مشددة) قد يدفع الأسعار إلى قفزة حادة.
هنا، قد نرى أرقاماً غير مسبوقة، وتضخماً سريعاً يربك السوق ويخلق حالة من الهلع الاقتصادي.
السيناريو الثالث: الانفراج المؤقت
في حال حدوث تهدئة سياسية، قد تتراجع الأسعار نسبياً، لكن التجربة علمتنا أن الانخفاض يكون دائماً أبطأ وأضعف من الارتفاع، وأن السوق لا يعيد بسهولة ما أخذه بسرعة.
وسط هذه السيناريوهات، يطرح السؤال الحقيقي نفسه بإلحاح: أين تقف الدولة؟ هل تكتفي بدور المراقب في سوق محرَر بالكامل، أم ستتدخل لحماية التوازن الاجتماعي؟
الحديث اليوم لم يعد عن حلول نظرية، بل عن ضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة :
أولها مراجعة سياسة تحرير أسعار المحروقات، أو على الأقل تأطيرها بسقف واضح للأرباح.
ثانيها تخفيف العبء الضريبي مؤقتاً، لأن أكثر من 4 دراهم في كل لتر ليست رقماً بسيطاً حين يتحول إلى عبء يومي على ملايين المواطنين.
وثالثها، وهو الأهم، الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية.
فالسيادة الطاقية ليست شعاراً، بل ضرورة استراتيجية، بحيث لابد من المبادرة بإعادة تشغيل مصفاة سامير ، وهذا الإجراء لم يعد ترفاً سياسياً، بل خياراً لحماية السوق من تقلبات الخارج.
كما أن تعزيز المخزون الوطني، وتشجيع الاستكشاف، وفصل التخزين عن التوزيع، كلها أدوات لإعادة التوازن لسوق اختلّت قواعده.
أما ترك الأمور على حالها، فهو الرهان الأخطر، لأنه ببساطة قد يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته ب “اقتصاد الأزمات”، حيث يتحول كل توتر دولي إلى فرصة للبعض، وكلفة يتحملها الجميع.
في النهاية، لسنا أمام أزمة طاقة فقط، بل أمام اختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على حماية المواطن. فإما أن تتحول الدولة إلى صمام أمان يخفف الصدمات، أو تظل مجرد شاهد على سوق يشتعل… ويأكل نفسه ومن فيه.
