بقلم : عبد الحق الفكاك
لم أعد واثقاً إن كنت أتابع خبراً سياسياً أم مسرحية مكتوبة بإحكام، كلّ ممثل فيها يتقن دوره إلى حد الإرباك. فجأة يخرج دونالد ترامب ليقول إن الاتفاق مع إيران صار قريباً.
اتفاقا بخمسة عشر بنداً جاهزة، وضربة عسكرية جُمّدت في اللحظة الأخيرة… كأن الحرب يمكن إيقافها بزر مؤقت، وكأن العالم كله غرفة تحكم بيد واحدة.
أتساءل: هل نحن أمام اختراق حقيقي أم مجرد إعادة توزيع للأوراق قبل جولة أكثر قسوة؟
ثم أسمع الصوت القادم من طهران، حاداً، نافياً، يكاد يسخر من الرواية الأمريكية فهذا محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني يقول لا مفاوضات، لا شيء مما يُقال صحيح، فقط محاولة للتلاعب بالأسواق والهروب من مأزق.
هنا، يبدأ الشك يتسلل إليّ أكثر: هل يمكن أن يكون الطرفان على طاولة واحدة فعلاً، لكن كلٌّ منهما يخاطب جمهوره بلغة مختلفة؟ لغة تُخفي أكثر مما تُعلن؟
أحاول أن أقرأ ما لا يُقال؛ الوساطات تتحرك بصمت، مصر وتركيا وباكستان تحمل رسائل لا تُنشر، وربما تُصاغ الجمل الحقيقية هناك، بعيداً عن الكاميرات.
يقال إن لقاءً قد يُعقد في إسلام أباد، ويقال إن جي دي فانس قد يكون الواجهة الجديدة للتفاوض، وكأن واشنطن تريد أن تفاوض دون أن تبدو وكأنها تفاوض.
حتى بنيامين نتنياهو، الذي يفترض أنه شريك في هذا المشهد، يبدو أنه لم يكن على إيقاع التصريحات نفسها… وهذا وحده كافٍ ليجعلني أوقن أن ما يجري في الكواليس ليس بسيطاً.
أعود لأسأل نفسي: هل التفاوض ممكن فعلاً؟ ربما… لكن ليس بالمعنى الذي نتصوره ، فواشنطن تريد اتفاقاً سريعاً، يوقف شبح النووي ويفتح صنبور النفط ؟
وطهران تريد اعترافاً بثقلها ورفعاً حقيقياً للعقوبات، بينما إسرائيل تريد ضمانات تتجاوز الاتفاق نفسه ، اسرائيل التي باتت الحلقة الأضعف في كل ما يجري .
نحن أمام ثلاث رغبات، أو لنقل ثلاث خرائط طريق، لكن على طاولة واحدة بالكاد تتسع ، فلكل حساباته الخاصة ، وإن تباينت المواقف ، وربما تضاربت المصالح .
أفكر في الاحتمالات، وأجدني أرتبها كما لو أنني أكتب نهاية مفتوحة لرواية لم تكتمل بعد : ربما نحن أمام اتفاق جزئي، تهدئة مؤقتة، أو شيء يشبه استراحة محاربين، يمرر النفط عبر مضيق هرمز ويمنح الجميع وقتاً إضافياً لالتقاط الأنفاس.
وربما نحن في قلب مفاوضات طويلة تُدار تحت القصف، حيث لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، فقط نزيف بطيء محسوب.
لكن هناك احتمالاً ثالثاً، أخشاه حتى وأنا أفكر فيه: وهو أن تنهار كل هذه الخيوط فجأة، فتُغلق المضائق، وتشتعل الجبهات، وتتحول المنطقة إلى برميل مفتوح على كل الاحتمالات.
الغريب أنني كلما حاولت أن أصدق أن الاتفاق قريب، تذكرت حجم الدم الذي سُفك، وحجم الحسابات التي لم تُغلق بعد، فلا امريكا دمرت النووي الايراني ، ولا إسرائيل تمكنت من التخلص من الصواريخ الباليستية الإيرانية و لا إيران استطاعت ايقاف الحرب عليها .
وكلما اقتنعت أن الحرب مستمرة ولن تتوقف قريبا كما يأمل الجميع ، وجدت تلك القنوات السرية التي لا تزال تعمل بإصرار، كأن هناك من لا يزال يؤمن بإمكانية تفادي الأسوأ.
في النهاية، لا أملك إلا هذا السؤال الذي يلاحقني: هل نحن أمام سلام يُطبخ في الظل، أم أمام حرب تؤجل موعدها فقط؟ بين التصريح والنفي، بين العلن والكواليس، يبدو أن الحقيقة الوحيدة هي أننا نقف جميعاً على حافة شيء لم يتقرر بعد.
