بقلم : عبد الحق الفكاك
أتنقّل بين الشاشات كما لو أنني أتنقّل بين جبهات مفتوحة… نافذة تقود إلى أخرى، وتحليل يجرّ خلفه عشرات الأسئلة ، لا أبحث عن خبر بقدر ما أبحث عن خيط يقود إلى فهم، لكن كلما ظننت أن الصورة بدأت تتضح، انقسمت أكثر.
أقرأ ما يُكتب في الغرب، خاصة في الدوائر التي لم تعد تخفي رفضها لهذه الحرب، فأشعر أن هناك قلقًا عميقًا لا يظهر في التصريحات الرسمية ، ليس القلق من إيران فقط، بل من المسار نفسه… من فكرة أن الأمور خرجت من إطار التخطيط ودخلت منطقة ردود الفعل.
التحليلات الأمريكية المعارضة لا تتحدث عن “نصر” بقدر ما تتحدث عن “ورطة محتملة”، عن تكرار سيناريوهات سابقة حيث تبدأ العمليات محدودة، ثم تفرض الوقائع تصعيدًا لم يكن في الحسبان.
أما في القراءة الفرنسية، فالنبرة أكثر برودة، لكنها أشد قسوة في مضمونها: الحديث عن شرعية مهزوزة، وعن قارة أوروبية بدأت تستفيق على أنها تُستدعى إلى معركة لا تملك مفاتيحها.
أغلق صفحة، أفتح أخرى، وأحاول أن أربط بين ما يُقال وما لا يُقال ، مما يرشح في الظاهر، ان التركيز لا يزال على البحر، على الممرات، على ذلك الشريان الذي يخنق العالم إن تعطل.
لكن في العمق، النقاش تغيّر. لم يعد السؤال كيف تُفتح الممرات، بل ماذا لو لم تُفتح؟ ماذا لو فشل الضغط الجوي والبحري في فرض النتيجة المطلوبة؟
هنا يبدأ الحديث الذي لا يُكتب في العناوين العريضة: الإنزال البري ، وإن كان لا أحدا يعلنه، لكن الجميع يلمّح إليه ، ليس كخيار أول، بل كاحتمال يطفو كلما انسدت الخيارات الأخرى.
وأنا أقرأ، أشعر أن هذا الاحتمال تحديدًا هو ما يثير القلق الحقيقي داخل تلك التحليلات المعارضة ؛ لأن الدخول إلى البر الإيراني ليس كأي تدخل آخر.
هناك داخل الجغرافيا معقدة، الكثافة السكانية عالية، والذاكرة التاريخية مثقلة بتجارب لم تنتهِ كما خُطط لها ، فإيران – كما تصفها التقارير – لا تنتظر هذه اللحظة وهي ضعيفة أو مرتبكة، بل تستعد لها منذ سنوات، بعقيدة تقوم على امتصاص الضربة الأولى، ثم تحويل المعركة إلى حرب استنزاف طويلة.
ليس الهدف هزيمة الخصم في مواجهة مباشرة، بل إنهاكه، إغراقه في تفاصيل الأرض، وإجباره على دفع ثمن يتجاوز بكثير أي مكسب محتمل.
أتوقف قليلًا عند هذه الفكرة… لأنني أراها تتكرر في أكثر من تحليل، وكأن هناك شبه إجماع غير معلن: أي إنزال بري لن يكون عملية خاطفة، بل بداية مسار مفتوح، لا أحد يملك تصورًا واضحًا لنهايته.
ثم أعود إلى المستجدات الأخيرة… وأشعر أن التوتر لم يعد نظريًا ، بل بالعكس تماما ، فالمواقف تتصلب، قنوات التهدئة تبدو هشة، واللغة تتجه نحو مزيد من التصعيد.
إيران لا تكتفي بالرد، بل ترسل إشارات بأنها مستعدة لتوسيع دائرة الضغط، ليس فقط في نقطة واحدة، بل عبر شبكة كاملة من الممرات والمواقع الحيوية.
وهنا، وأنا أتنقل بين التحليلات، ألاحظ أن الخوف الأكبر لا يتعلق بالضربة نفسها، بل برد الفعل الذي قد يتجاوز كل الحسابات.
ماذا لو لم تبقَ المواجهة محصورة؟ ماذا لو دخلت أطراف أخرى، ليس بدافع الهجوم، بل بدافع الحماية أو الردع؟
كل التحليلات تلمّح إلى هذا الاحتمال دون أن تسميه صراحة:
دعم غير مباشر قد يتحول إلى حضور ميداني، خطوط إمداد قد تصبح خطوط اشتباك، وحلفاء قد يجدون أنفسهم داخل الحرب دون أن يعلنوا ذلك رسميًا.
أحاول أن أرتّب السيناريوهات في ذهني، لكنني أجدها تتداخل بشكل مربك :
هناك سيناريو يبدو منطقيًا على الورق: ضغط عسكري محدود، ثم تسوية تُعيد التوازن، مع بعض الخسائر التي يمكن احتواؤها.
لكن هذا السيناريو نفسه يبدو هشًا أمام تعقيدات الواقع.
وهناك سيناريو آخر، أكثر واقعية كما توحي بعض التحليلات:
استمرار المواجهة في البحر، مع تصعيد متدرج، دون حسم واضح، حيث يتحول الوضع إلى حالة استنزاف طويلة تؤثر في الاقتصاد العالمي وتعيد تشكيل موازين القوة.
ثم هناك السيناريو الذي يلوح في الخلفية، ولا يريد أحد أن يسميه : انفلات شامل… تدخلات متقاطعة… وتحول الحرب إلى عقدة دولية يصعب تفكيكها.
ما يربكني حقا وأنا أقرأ ليس فقط تعدد السيناريوهات، بل غياب اليقين في أي منها ، حتى داخل التحليلات المعارضة للحرب، لا يوجد تصور واضح لنهاية يمكن الوثوق بها.
كل ما هناك هو تحذير متكرر: الطريق الذي نسير فيه مألوف… وقد جُرّب من قبل… وكانت نتائجه مكلفة.
أغلق الصفحات واحدة تلو الأخرى، لكنني أشعر أنني لم أصل إلى نتيجة، بل إلى قناعة واحدة فقط : أن هذه الحرب، في شكلها الحالي، لا تُدار برؤية متماسكة بقدر ما تُدار بردود فعل متراكمة.
وهذا تحديدًا ما يجعلها خطيرة ، لأن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخطط لها جيدًا ، بل تلك التي تبدأ دون أن يعرف أحد كيف ستنتهي…
ثم يكتشف الجميع، متأخرين، أنهم كانوا يتقدمون خطوة خطوة نحو نقطة لا عودة منها.
