بقلم : عبد الحق الفكاك
لم يكن ما قدّمه عبد الوافي لفتيت أمام الملك محمد السادس نصره الله مجرد عرض إداري عابر، ولا وثيقة تقنية تُضاف إلى أرشيف الدولة. ما وقع، في العمق، كان أقرب إلى إعلان هادئ… لكنه حاسم: الدولة قررت أن تستعيد زمام السياسة، وأن تعيد تعريف من يصنع القرار، وكيف يُصنع، ولمن يُسند.
لذلك، كل قراءة تُصرّ على حصر هذا العرض في أرقامه ـ 210 مليارات درهم، وثماني سنوات من البرمجة ـ هي قراءة تُخطئ الهدف. لأن الأرقام هنا ليست سوى الواجهة. أما ما يجري في الخلفية، فهو إعادة تركيب عميقة لهندسة السلطة نفسها.
السؤال الذي يطرح نفسه ، ببساطة: هو هل نحن أمام برنامج حكومي؟ الجواب: لا ؟ ام اننا أمام تعاقد انتخابي مؤجل؟ الجواب : أيضاً لا.
نحن أمام شيء آخر… أمام قرار صيغ خارج الزمن الانتخابي، وخارج منطق التنافس الحزبي، ثم وُضع فوقه، كإطار يُلزم الجميع.
الرسالة واضحة لمن يريد أن يقرأ: لم يعد السؤال “ماذا ستقترح الأحزاب؟”، بل “هل تملك الأحزاب القدرة على مواكبة ما تقرر سلفاً؟”.
هنا، يحدث التحول الحقيقي ، فلأول مرة، لا تنطلق صياغة السياسات العمومية من المكاتب المركزية، ولا من برامج الأحزاب، بل من الأرض: من العمالات والأقاليم، تحت إشراف الإدارة الترابية. تُجمع الرؤى محلياً، تُركّب جهوياً، ثم تُرفع وطنياً… لا للنقاش السياسي، بل لضبط الانسجام والمصادقة.
في هذه اللحظة، يتغيّر كل شيء دون إعلان صريح: المنتخب لم يعد صانع القرار، بل جزء من آلية تنظيمه ، و الحكومة نفسها لم تعد مركز المبادرة، بل فضاءً لاستيعاب ما تقرر خارجها ، بل إن رئيسها لم يعد يقود، بل ينسّق.
نعم، هكذا ببساطة… ينتقل الفعل السياسي من منطق “الاقتراح” إلى منطق “التنفيذ”.
قد يبدو هذا قاسياً، لكنه ليس مفاجئاً. لأن ما يحدث اليوم هو، في جانب كبير منه، نتيجة سنوات من التآكل: وعود انتخابية بلا أثر، نخب تُعاد تدويرها، أحزاب استبدلت الكفاءة بالحسابات، وتحولت فيها التزكيات إلى عملة سياسية فاقدة للقيمة.
في هذا الفراغ، لم تنتظر الدولة أكثر. تدخلت… لا لتنافس، بل لتملأ الفراغ ، ومن هنا نفهم لماذا جاء البرنامج ممتداً إلى 2034، متجاوزاً عمر أي حكومة. ولماذا أُسندت هندسته للإدارة الترابية.
ولماذا تُحوَّل أدوات التنفيذ إلى منطق المقاولة: شركات، مؤشرات، محاسبة، وتتبع رقمي مفتوح.
إنها ليست تفاصيل تقنية؛ إنها فلسفة حكم جديدة: الشرعية لم تعد تُقاس بالصناديق فقط، بل بما يتحقق على الأرض.
الخطاب لم يعد كافياً… الإنجاز هو اللغة الوحيدة المقبولة و المفارقة التي يجب التوقف عندها: الانتخابات تقترب، لكن البرنامج جاهز.
الوعود ستُقال، لكن الاتجاه محدد ، والتنافس سيجري، لكن داخل هامش مرسوم سلفاً.
و السؤال هو ماذا بقي إذن من السياسة؟ الجواب بسيط ، بقي امتحان واحد: من يستطيع أن يشتغل داخل هذا النموذج؟ ومن سيظل يردد خطاباً فقد صلاحيته؟
ما جرى في ذلك المجلس الوزاري ليس مجرد لحظة تدبيرية، بل لحظة فرز تاريخي. لحظة تقول فيها الدولة، دون ضجيج: انتهى زمن التساهل مع الرداءة. انتهى زمن الاختباء خلف الشعارات. انتهى زمن اعتبار السياسة غنيمة.
نحن الآن أمام منطق جديد: من لا يُنجز… يُقصى بصمت؛ ربما قد يختلف البعض مع هذا المسار، اوقد يراه آخرون ضرورياً .
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن قواعد اللعبة تغيّرت. وأن من لم ينتبه بعد، سيستيقظ متأخراً ؛ لأن الحقيقة، بكل بساطة، أن الدولة لم تعد تنتظر من السياسة أن تنقذها…. بل الدولة من بدأت، فعلياً، في إنقاذ السياسة من نفسها.
