محمد وردي // الوطن العربي
أم الشخص في وضعية إعاقة بين عبء الرعاية ومقاربة حقوقية دامجة
تثير مطالبة سائق سيارة إسعاف جماعية بمركز قصبة الشافعي لشخص في وضعية إعاقة بأداء واجب التنقل مخاوف حقوقية، حيث يعد هذا التصرف تمييزاً يخالف التوجيهات الرسمية التي تضمن مجانية أو تخفيض خدمات نقل المرضى المعوزين وذوي الاحتياجات الخاصة، وتستوجب هذه الواقعة تدخل السلطات الإقليمية والمجلس الجماعي للمراقبة والمساءلة والتحقيق في تصرفات السائق وضمان عدم تكرارها .
في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تقريب المرافق والخدمات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها الخدمات الطبية، تفاجأت أم ( أيمن. الفكاكي ) وهو مواطن من ذوي الاحتياجات الخاصة يقطن بتراب جماعة قصبة الشافعي دائرة البروج اقليم سطات ، بمطالبتها بأداء ثمن نقل إبنها على متن سيارة إسعاف تابعة للجماعة المذكورة صوب مستشفى الحسن الثاني بسطات ، قصد العلاج من الاعراض المزمنة التي تلاحق فلذة كبدها في كل وقت وحين.
وتحملت أسرة الشخص في وضعية إعاقة عناء محنة التنقل، وازدادت حدتها حين اشتد عليه المرض، حيث لوحظ عليه هيجان فائق ، فاستغاث بسيارة إسعاف جماعة قصبة الشافعي لنقله على وجه السرعة إلى المستشفى، وبعد ذلك فوجئت والدته بمطالبة السائق إياها بأداء ثمن نقل إبنها. حيث قال لها : (خَلّصْتْ الْمَازُوطْ مَنْ جِيبِي) حسب إفادتها للجريدة.
واعتبر الحقوقي “با ميلود ” منسق جهة الدارالبيضاء سطات بالمرصد الوطني لمحاربة الرشوة وحماية المال العام وعضو بالمكتب المركزي الرباط مطالبة السائق بأداء واجبات نقل الشخص في وضعية إعاقة على متن سيارة الإسعاف الجماعية لا ينسجم مع مساعي الدولة إلى تقريب الخدمات الطبية من المواطنين القاطنين في المناطق النائية، خاصة أن المسمى( أيمن الفكاكي ) في وضعية إعاقة كان في حالة حرجة يتعيّن معها إنقاذ حياته وهو” يترنح” ” يمشي حافي القدمين” في هيجان قوي داخل المستشفى.
وقالت والدة المصاب المعني في تصريح صحفي” ان إبنها لم تعطى اليه العناية الكاملة اللازمة بخصوص العلاجات والفحوصات والتحاليل الطبية والتكفل به في هذا الشان “، رغم حالته الصحية الصعبة لولا تدخل مدير المستشفى والاطر الطبية النزهاء لإخضاعه الى تشخيص طبي حول حالته المرضية والكشف عنها في تقرير طبي، حيث ظلت الام ليلة كاملة “تتخبط “مع ابنها بين اركان المستشفى ، إذ حتمت عليهما الظروف المبيت هناك بدون “أغطية ولا أفرشة”.حسب إفادتها .
للتذكير

وجدير بالذكر انه بمناسبة تخليد المغرب لليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة في 30 مارس من كل سنة، يتجدد النقاش العمومي حول واقع هذه الفئة داخل المجتمع. غير أنّ هذا النقاش غالبًا ما يظلّ محصورًا في الشخص في وضعية إعاقة باعتباره موضوعًا مباشرًا للسياسات الاجتماعية، في حين يغيب عن التحليل فاعلٌ اجتماعي محوري في هذه المعادلة، وهو الأم التي تتحمل في معظم الحالات العبء الرئيسي للرعاية اليومية والمتابعة المستمرة لمسار أبنائها.
فالأم في هذا السياق لا تؤدي دورًا تقليديًا يقتصر على الرعاية الأسرية، بل تتحول إلى فاعل اجتماعي متعدد الأبعاد؛ إذ تضطلع بوظيفة المرافقة في المسار الصحي، والمواكبة في المسار التربوي، والوساطة مع المؤسسات العمومية، فضلًا عن دورها في الدفاع عن حق طفلها في العلاج والتعليم والاندماج الاجتماعي. وفي ظل محدودية الخدمات العمومية المتخصصة، تتحمل هذه الأم مسؤوليات مركبة تتجاوز في كثير من الأحيان الإمكانات المادية والنفسية للأسر، مما يجعلها تتحمل عبئًا مضاعفًا لا يلقى دائمًا الاعتراف المؤسسي الكافي.
إن أمّ الشخص في وضعية إعاقة لا تحتاج إلى خطاب تضامني ظرفي بقدر ما تحتاج إلى سياسات عمومية مستدامة قائمة على الحقوق، تعترف بكرامة طفلها وتضمن له شروط الاندماج الكامل في المجتمع. فالقضية في جوهرها ليست مسألة إحسان، بل مسألة مواطنة وحقوق.
وقد لعبت جمعيات المجتمع المدني دورًا مهمًا في التخفيف من آثار هذا القصور المؤسساتي، من خلال توفير خدمات التأهيل والدعم النفسي والتربوي والتوعية المجتمعية. غير أنّ هذا الدور، على الرغم من أهميته، يظل محدودًا بحكم طبيعة الموارد المتاحة وآليات التمويل غير المستقرة. ومن ثمّ، لا يمكن للجمعيات أن تحل محل الدولة في مجال يُعد في جوهره مجالًا من مجالات السياسات العمومية ذات الطابع الحقوقي.
وعلى المستوى المعياري، يتوفر المغرب على أرضية دستورية وقانونية متقدمة نسبيًا في مجال حماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. فقد نص دستور سنة 2011 في فصله الرابع والثلاثين على التزام السلطات العمومية بوضع وتفعيل سياسات موجهة لهذه الفئة، بما يضمن إدماجها الاجتماعي والاقتصادي. كما جاء القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة ليؤكد مجموعة من الحقوق الأساسية، من بينها الحق في التعليم والصحة والتأهيل المهني والمشاركة في الحياة العامة.
غير أنّ الإشكال المركزي لا يكمن في غياب النصوص القانونية، بل في الفجوة القائمة بين الإطار التشريعي والتطبيق الفعلي. فما تزال العديد من الأسر تواجه صعوبات يومية تتعلق بندرة المراكز المتخصصة، وارتفاع كلفة العلاج والتأهيل، وضعف خدمات المواكبة الاجتماعية والنفسية. وفي هذا السياق، تتحول الأم إلى فاعل فردي يضطر إلى التنقل بين الإدارات والمؤسسات بحثًا عن خدمات أساسية يفترض أن تكون مضمونة في إطار السياسات العمومية.
إن الانتقال من مقاربة الإحسان إلى مقاربة قائمة على الحقوق يقتضي إعادة إدماج قضية الإعاقة ضمن التخطيط التنموي الشامل، باعتبارها قضية عرضانية تمس قطاعات متعددة، من بينها التعليم والصحة والتشغيل والنقل والإسكان. كما يستدعي ذلك اعتماد سياسات عمومية دامجة تقوم على تعزيز التعليم الدامج، وتوسيع خدمات التأهيل وإعادة التأهيل، وتوفير آليات دعم اجتماعي للأسر التي تتحمل عبء الرعاية اليومية.
وفي هذا الإطار، تشكل مسألة إمكانية الوصول (الولوجيات) أحد المرتكزات الأساسية لإعمال حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. فإمكانية الوصول إلى الفضاءات العامة والنقل والسكن والخدمات الرقمية ليست مجرد مسألة تقنية أو هندسية، بل هي التزام قانوني مباشر يندرج ضمن مقتضيات الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما المواد 9 و19 و20 المرتبطة بإمكانية الوصول والعيش المستقل والتنقل الشخصي.
وفي الختام، لا يُقاس تقدم المجتمعات فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي، بل بمدى قدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة وضمان حقوقها. وعندما تصبح حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة جزءًا لا يتجزأ من السياسات العمومية، يكون المجتمع قد خطا خطوة حقيقية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية.

